فخر الدين الرازي
183
المطالب العالية من العلم الإلهي
الدنيا إذا كانوا بالصفة المذكورة ، ثم عرضت عليهم : أنه هل يجوز حدوث إنسان شيخ دفعة واحدة ، من غير أن كان مسبوقا بالأبوين ، ومن غير أن كان مسبوقا بالطفولية والشباب ؟ فإنهم يقطعون بامتناعه . وإذا عرضت عليهم قول من يقول : إن هذه الأنهار جرت في هذه المفازة من غير أن يقال : إنها سالت إليها من مواضع أخر وإنما جرت في هذه المفازة على سبيل أن هذه المياه حدثت في هذه المواضع ابتداء . فإن العقلاء بأسرهم يقطعون بكون هذا القول كذبا باطلا ، أو بأن قائل « 1 » هذا القول : صار مجنونا . وهذا يدل على أن هذه المقدمة من أقوى البديهيات . وأما أن المتكلمين يجوزونه ، فليس الأمر كذلك ، لأن المتكلم لو سألته عن هذه الوقائع ، لا في وقت المناظرة ، بل في وقت سلامة عقله ، لأقر بذلك ، ولقضى على من ينكروه بالجنون والعته . فثبت : أن الأمر كما ذكرناه . وأما قوله على الوجه الثالث : « إنه تعالى فاعل مختار ، فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد » . فنقول : أما القول بأنه [ لا « 2 » ] مرجح لأحد الطرفين على الآخر . فهذا يقتضي أن يكون وقوع أحد الجانبين : اتفاقيا محضا . والأمور الاتفاقية ، إما أن تكون ممتنعة الوقوع ، أو إن كانت ممكنة الوقوع ، إلا أنها لا تكون دائمة ولا أكثرية . وقوله : « إنما كانت لأنه أصلح للعباد » ففي غاية الضعف . لأن حدوث الحيوان والنبات والمعادن ، لما كان موقوفا في مجاري العادات ، على أحوال المواد ، والفصول الأربعة ، وتغير أحوال الكواكب : صار ذلك سببا لوقوع الشك العظيم ، في أن المؤثر في حدوث هذه الأشياء هو الطبائع ، لا [ الفاعل « 3 » ]
--> ( 1 ) أو بأن هذا القائل صار ( ط ، س ) ( 2 ) من ( ط ، س ) ( 3 ) من ( س )